عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

75

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

صفة الإنسان قوله تعالى : خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ [ الأنبياء : 37 ] فإن قيل : إن اللّه وصف الإنسان في مواضع من القرآن بالصبر كقوله : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ [ الأنفال : 65 ] وكقوله : وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً [ الإنسان : 12 ] وغير ذلك من الآيات قلنا : ما وصف الإنسان المطلق بالصبر ، وإنما وصف الإنسان المقيد بالإيمان . كقوله : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ [ الأنفال : 65 ] يعني من المؤمنين لا منهم وهم كافرون ، لأن المؤمنين حزب اللّه ، وحزب اللّه هم الغالبون ، وكذلك قوله : وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا [ الإنسان : 12 ] أي : صبروا على الإيمان والطاعة وصبروا عن الكفر والمعصية بقوة الإيمان ، فإن اللّه بالنصر والتأييد مع الصابرين من المؤمنين ، وأن نصيب الإنسان من الصبر والتصبر بالتكلف ليصبره اللّه تعالى صبرا حقيقيا كقوله - صلى اللّه عليه وسلم - : « من يصبر يصبره اللّه » « 1 » فحينذ يكون متخلقا بخلق اللّه بحسب قوته في الصبر ، فإن للصبر ثلاث مراتب ؛ صبر المبتدي : وهو متصبر تحت حمل الأوامر والنواهي . وصبر المتوسط : وهو صابر تحت الأحكام الأزلية في الشدة والرخاء من البلاء والابتلاء . وصبر المنتهي : وهو صبار مع اللّه باللّه . فالمتصبر : صبره في اللّه ، ولا يخلو من الجزع ، والصابر : صبره باللّه فلا يجزع ، ولكن لا يخلو من بعض الشكوى ، والصبار : صبره مع اللّه ، بلا جزع ولا شكوى ، بل صبره مقرون بالرضا ولو ببذل الروح في مواطن اللقاء ، قال اللّه تعالى : وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ [ البقرة : 177 ] أي : عند لقاء العدو ببذل الروح راضين به ، وأن العبد إذا وفق للتخلق في الصبر بخلق اللّه ، وجاوز صبره حد صبر الإنسانية تؤول مرارة صبره إلى ضدها من الحلاوة ، ثم تبدل المرارة بالحلاوة ويكون على قدر تخلقه بأخلاق الحق . قيل : أوحى اللّه تعالى إلى داود - عليه السلام - تخلق بأخلاقي ، ومن أخلاقي أني أنا الصبور . وقيل : الصبر دون المصابرة ، والمصابرة دون المرابطة . وقيل : اصبروا بنفوسكم على طاعة اللّه ، وصابروا بقلوبكم على البلاء في اللّه ورابطوا بأسراركم على الشوق إلى اللّه تعالى . وقيل : اصبروا في اللّه ، وصابروا باللّه ، ورابطوا مع اللّه . قلت : اصبروا على

--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، كتاب الزكاة ، باب استعفاف عن المسألة حديث رقم ( 1469 ) . ورواه مسلم في صحيحه كتاب الزكاة . باب فضل التعفف والصبر ، ورواه غيرهما .